أسرار الحضارات و تاريخ المدنالحامة تاريخها وآثارها وأحداثها وأبطالها

سور الحامة مع تحديد مكان المدينة القديم

ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن الحامة كانت مدينة قديمة مسورة. إهتم بها الرومان كما إهتموا بمدينة قابس . كما كانت الحامة مركزا حدوديا هاما، ومحطة إستشفائية لإستراحة الجنود، وإستحمام القادة العسكريين. كما إنتشرت – هناشير- المعمرين حول المدينة على إمتداد أراضيها الخصبة الشاسعة. ولكنّ شيئا من هذه الآثار الضخمة لم يبق ماثلا للعيان، شأنها في ذلك شأن مدينة قابس. وذلك لكثرة الثورات وشدّة الصراعات التي عاشتها المنطقة ، وبخاصة ثورة إبن غانية وقراقوش، وصراع القبائل، وإنتفاضات بني يزيد المتكرّرة على الحكم العثماني والحسيني، والتي كانت سببا في دمار المدينة نهائيا.
لقد تحدث عدد من المؤرخين عن سور الحامة الذي بقي قائم الذات على هيأة حسنة يحمي أهالي المدينة، والقبائل المحيطة بها حتى أزاله حمودة باشا سنة 1635 م 1044 هـ وسوّى المدينة بالأرض إثر التمرد الذي دام سبع سنوات متواصلة. وقد نوه المؤرخون والرحالة بمعمار الحامة ودورها العالية، ومتانة أسوارها، وجمال لوحات الرخام فوق أبوابها. وكان حديثهم حديث شاهد عيان، الواقف على الطوابق المتعددة ، لا حديث الناقل عن غيره. إنما حديث شاهد العيان فهذا الحسن الوزان الذي زار الحامة أواخر القرن التاسع هجري الخامس عشر ميلادي يبدي إعجابه بمتانة وجمال هذه الأسوار فيقول : ” الحامة مدينة لها سور مبنى بالحجر الضخم نحت نحتا جيدا. ومازالت تظهر عليه حتى اليوم في أعلى الأبواب لوحات من المرمر عليها كتابات منقوشة.”1
أما التجاني فقد زار الحامة قبل الوزان بنحو مائة عام أي في أوائل القرن الثامن هجري الرابع عشر ميلادي. وقد أقام بها مدة وتعرّف على بعض قبائلها. يقول في هذا الشان: ” وكان عليها سور مرتفع، ورأيت مواقع منه تهدمت. وشاهدنا أبنية داخل المدينة في غاية الإرتفاع، ورأيت بقصبتها وهي موضع سكنى الوالي أثارا تدل على ضخامتها.”2
أما إبن أبي دينار فوصف في كتابه المؤنس حصانه المدينة التي يحيط بها سور ضخم يحميه خندق عميق من كل جهاتها. وتقع المدينة وسط غابة كثيفة من النخيل. يقول :”وكانت الحامة في غاية من الحصانة ولأهلها خبرة بالحروب ومكانة، وهي في مكان منيع، ولها خندق محدق بها من كل جهاتها “3 .نصوص ثلاثة يدعّم بعضها بعضا تجعلنا لا نتأكّد من وجود السور فقط وإنما نتخيّله حتى أصبح وكانّه مازال قائم الذات إلى يومنا هذا، وذلك للتّصوير الحي الصادق من قبل هؤلاء المؤرخين الذين شاهدوه وأعجبوا به أيّما إعجاب. و يظهر ان الثلمات التي لا حظها التجاني على بعض أماكن السور، قد وقع ترميمها بعد ذلك فأصلح من شأنه، ورمّمت ثلماته. نستنتج ذلك من وصف من شاهده بعد التجاني. كذلك من صمود هذا السور وقدرته على حماية قبائل الحامة التي إمتنعت عن آداء المجبى سبع سنين، ورفضها الخضوع لسلطة البايات الذين عجزوا عن النيل منها وهي خلف هذه الأسوار المتينة الصلبة حتى سنة 1635 م. بحيث لم ينفع فيهم الحصار ولو طال مداه لوجود الواحة الغنية بالخيرات والتي كانت تمدّهم بالمأكل والمشرب.
تـحديد مكان المدينة :
ورثنا عن آبائنا وأجدادنا أن لفظ –المدينة- يطلق على الحيّز الذي تحّده شرقا المقبرة. وشمالا حي القصر، وغربا الواحة، وجنوبا منطقة الدبدابة، وسواني بورزيق والمحاجبة. هذا هو الحيّز العام الذي كانت تقع ضمنه المدينة الرومانية المسوّرة. والتي بقيت قائمة الذات بدورها وأسواقها حتى سنة1635 م حيث تمّ تخريبها من قبل حمودة باشا. وبقي هذا الحيّز الجغرافي لا بناء عليه حتى سنة 1916 عندما قام –لاورك- بمسح الأرض وإزالة الأنقاض، ووضع مخّطط لمدينة جديدة حديثة شرع في بنائها حسب المثال الذي وضعه سنة 1910 بعد التفويت لأبناء البلاد الذين تولّوا البناء ملتزمين بالمثال العام الذي وضعه. وبالإضافة إلى ما رويناه عن الأباء من أخبار عن تاريخ وأسلوب إعادة بناء المدينة فبين يدي جزء من مثال التهيئة، وعقد لقطعة من الأرض إشتراها الصادق من عبد المؤمن والد الهاشمي عبد المؤمن وهي الآن مقام عليها منزل محمد بالصادق بن عبد المؤمن المحاذية لمتجر مدين سابقا.( أنظر قسم الوثائق)
وأعتقد أن لحيز المدينة القديمة حدودا أكثر دقة، مازالت واضحة إلى يومنا هذا رغم تقدم الزمان وعبث يد الإنسان. لقد زالت أثار السور تماما لكن آثار الخندق الذي كان يحيط به والذي أشار إليه إبن أبي دينار مازالت ماثلة للعيان، ويمكن التعرف عليها وتحديد مساحتها بشكل تقريبي. بالإعتماد على المعطيات التالية :
1- ما جاء في أقوال سيدي نصر الشايبي التي تحدّث فيها عن الحامة حيث أشار إلى الحدّ الغربي الشمالي في قوله : ” إمشي السور السور حتى إتلاقي جنان إبن غفور ” ويوجد جنان إبن غفور خلف سيدي عبيد وهو مازال على ملك الغفافرة، وهو ما يدعم أن السور كان يصل إلى هذه المنطقة. ونصر الشايبي هو أوّل من إستقرّ على أرض المدينة القديمة التي كان البناء عليها ممنوعا بحيث يمكن أن يكون هذا القسم من السور مازال قائما في ذلك الوقت.
1- توجد حجّة لدى دار عبد المؤمن تثبت ملكيتهم لسانية برشوش وتشير الحجة إلى أنّ هذه السانية يحدها شرقا سور المدينة والخندق. ومزال أثر الخندق ماثلا للعيان شرق المحكمة في وسط المقبرة وخلف مقبرة الشهداء.
هذان دليلان لا شكّ فيهما يؤكدان حدود المدينة الغربية والشرقية كما أنهما يساعدان على معرفة الحدود الشمالية والجنوبية .
وبإعتمادنا على هذه المعطيات السابقة وتبعا إلى ما أشرنا إليه من بقايا الخندق يمكن لنا معرفة حدود المدينة الأربعة، وبالتالي معرفة مساحتها التقريبية. وقد قمت بمساعدة الاخ الطاهر بن عبد السلام بمحاولة الكشف عن أثار الخندق الذي أشار إليه المؤرخون وتحدّثت عنه بعض الرسوم القديمة منطلقين من سيدي عبد القادر مارين أمام حمام نساء الدبدابة، ثمّ إتجهنا شرقا سالكين طريق الحدّادة حتى وصلنا بداية المحاجبة أين إنخفضت الأرض أمام المدرسة الإبتدائية والمكتبة العامة. وبالإعتماد على معرفتنا بالجهة قبل التطوّر العمراني الحالي ، فقد كانت ومزالت الضيعات -السواني– من بداية المحاجبة ودار تراب حتى دار خضر وصولا إلى حمام النساء حيث كان وراء هذه المساكن منخفض يشير إلى الخندق القديم. هذه هي الحدود الجنوبية للمدينة. ومن مدخل المحاجبة – من المدرسة والمكتبة- إتجهنا شمالا حتى وصلنا المحكمة والقباضة المالية وبذلك نكون قد حددنا الحدود الشرقية للمدينة. ثمّ إتجه الإنخفاض نحو سيدي عسكر وصولا إلى سيدي عبيد وهذه هي الحدود الشمالية. أما الحدود الغربية فهي واضحة وتبدأ من سيدي عبيد إلى سيدي عبد القادر وحمام نساء الدبدابة.
أما تحديد المساحة التقريبية للمدينة فيمكن أن تكون كالتالي: طولها يبدأ من دار الثقافة حتى سيدي عسكر وهو يقارب 800 م. أما العرض فيبدأ من مدخل الواحة حتى المحكمة والقباضة وهو حوالي 700 متر وبذلك تكون المساحة حوالي 560 هكتار. وهي مساحة في إعتقادي لا نقل عن مساحة مدينة قابس الرومانية.
أبــواب المدينة :
لكلّ مدينة يجب أن يكون لها أكثر من باب، ويروى عن الشيوخ الكبار أنّه كان للحامة بابان رئيسيان:. الباب الأول شرقي المفتح ويربط المدينة بطريق قابس. وأتوقع أن يكون مكانه وسط المعهد الثانوي 7 نوفمبر. لأن طريق قابس القديم يمرّ جنوب حمام الصغير ويتجه شرقا متوسطا لهنشير شانشو، مارا بأرض دار عبد المؤمن، شرقي معمل علف الفصّة. وتسمى هذه الطريق، بالطريق القديمة. ومما يدعم هذا الإحتمال وجود بئر بأرض أولاد عبد المؤمن يقال أنها رومانية الأصل. أما الباب الثاني الرئيسي فهو شمالي المفتح. هو في المرتبة الثانية من الأهمية بعد الباب الشرقي لأنه يربط المدينة بطرق هامة تتّجه نحو الشمال والجنوب الغربي كما يربط الحامة بالجزائر. وقد تحدّث المؤرخون عن أهميته. كما أنه يربط المدينة بالضيعات الكبرى في جهة الفجاج ووادي الزيتون ووالي والميدة أين تواجدت حضارة قديمة. وللشّعراء الملهمون كلمات تؤخذ بعين الإعتبار، فهم يستشرفون المستقبل و يتلمسون الماضي البعيد . وقد ورد ذكر الباب الشمالي في قصيدة عمارة الرتيمي المشهورة – حوار بين الحامة وشاعرها- يقول :
والسور للجوف يفتح بابه **** وعسّة شديدة يتّهوش خاطرها
كما يؤكد شيوخ المدينة أن هذان البابان الرئسيان وقعت نقلة أحدهما إلى صفاقس و الآخر إلى القيروان إثر تهديم حمودة باشا للمدينة. ويذكرون أن التعرف عليهما ممكن إلى يومنا هذا لأنهما يختلفان عن بقية الأبواب .
والذي نعتقده أنهّ كان للحامة باب ثالث وهو باب جنوبي المفتح. يربط المدينة بقبلي وبمطماطة ومنطقة الظاهر التي كانت بها هناشير قديمة. وقد كانت الطريق القديمة التي تربط بين الحامة وقبلي عبر الظاهر. وتشير المراجع التاريخية والبقايا الأثرية أن الطرق الرومانية القديمة كانت تتصف بصفتين الإستقامة فلا توجد بها منعرجات إلا نادرا. كما كانت مرصوفة بالحجارة. ومازالت أثار هذه الحجارة المرصوفة قرب سيدي عبد النور أين توجد بقايا آبار وبناء شرقي القبة. وهو ما يشير إلى وجود الباب الثالث كما نتوقع أن تكون المدينة ةمفتوحة على الواحة قرب زاوية نصر الشايبي.
بــقايا البرج
لقد روينا عن شيوخ الحامة الذين سمعوا ما قال أباؤهم وأجدادهم، والذين شاهدوا بقايا البرج الذي كان مقاما على المساحة التي تشمل قسما من المعتمدية والبلدية وحمام عين البرج. وفي مقدمة هؤلاء السادة: الحاج البشير عبد المؤمن والحاج صالح بن صميدة، والشيخ عمار حبل وغيرهم، أنهم شاهدوا بقايا البرج الذي كان مقرا لسكنى الوالي. وقد أزال هذه الأثار – لاروك-. وهي آخر ما بقي قائما من أثار الحامة القديمة.
ومما لا شك فيه أن بقايا المدينة مدفونة تحت البنايات الحديثة. فكثيرا ما عثر صدفة عند حفر بئر، أو إقامة أسس على بعض هذه الأثار، ولكن لم يبلغ عنها. وحتى وإن بلّغ فلم يقع جمعها ولا صيانتها. لقد وقع إهمال ما عثرت عليه البلدية عند إصلاح الحمام وبناء البلدية والمعتمدية، كذلك وقع إتلاف ما عثر عليه عند إنشاء السوق الجديد .
هذا ومازالت بعض الحجارة الرومانية مبعثرة هنا وهناك في الهناشير المنتشرة حول الحامة كهنشير الرويجل ومنطقة والي والميدة. وقد شهدت هذه المنطقة بالذات حضارة مزدهرة في العهود اليونانية والفنيقية والرومانية . كذلك فإنّ منطقة الظاهر لا تخلو من الهناشير القديمة كهنشير البنيّة في البحاير مازالت به حجارة ضخمة حتى اليوم، وهنشير سطّف وأم الشياه ، وقدح السّدر.
وهنالك هناشير أخرى عديدة كهنشير قرادو، وقدح الوداد، وتلمام، والنفيضة، وشانشو. كما كان برأس الوادي سدّ قديم حاول أحمد بن صالح إعادته من جديد عند التفكير في إنشاء محمية طبعيّة بتلك المنطقة. وأخيرا لا آخرا لابد من الإشارة إلى بعض الأثار قرب سيدي عبد النور حيث يوجد شرقي القبة وبأسفل الهضبة حجارة ضخمة مربعة توحي بأن المكان كان به بناء ضخم إما أن يكون كنيسة أو حصنا صغيرا، وقبالة هذه الأنقاظ ثلاثة آبار مازالت الحجارة المستديرة بأعلاها واضحة، وقد أثّر عليها جرّ الحبال من عدة جهات. وحول هذه الأبار تتناثر قطع من الشقاف متنوع الألوان والأشكال، و ربما يعود إلى حقب زمنية.
كما أنّ قسما من الطريق الذي يمرّ قرب هذه الأبار مازال مرصوفا بحجارة مغروزة بالأرض تصارع الزمن وتشير إلى ماضيها البعيد. كما توجد بمنطقة السقي آثار وحجارة متناثرة في عدة الجهات.
هذه إشارات عابرة عن بعض الأماكن التي أمكن لي الإطلاع عليها أو السماع عنها من ثقات لهم إهتمام بهذا الجانب، وأخص بالذكر بعض الخبراء الفلاّحيين والمسّاحين بقابس حيث مكنتهم مهنتهم من الإطلاع على هذه الأماكن .(منقول)

 

محمد بن عثمان عسيلي

          🖋️   الأستاذ محمد بن عثمان عسيلي أستاذ و خطيب..وصاحب أبحاث في الطب البديل والتاريخ القديم وعلوم الصنائع

‫2 تعليقات

  1. شكرا لك أستاذ محمد على هذه المعلومات النادرة والمهمة عن المدينة الكبيرة برجالها وبما أنجبت من مناضلين افذاذ وشخصيات عامة معروفة.
    تحياتي

    1. سرَّني مرورك أخي
      نعم الحامة مَصْنَعُ رجالٍ وستبقى كذلك باذن الله
      والحامة أيضا تاريخ عريق نأملُ أن تُنْفَضَ عنه خيوط العنكبوت لتَدُبَّ اليها الحياة والأمل من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق