أسرار الحضارات و تاريخ المدنتحليل رموز الدفائن وفك الشفرات

“الكنز ” : الغاية – أصله -سببه

بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله أشرف من خلق و أرسل

بسم الله نستفتح وبه نستعين لنواصل حديثنا في ميداننا الذي يحتاج الدهاء و الفطنة و أقول

لن يشعر أحد بلذة هذا العلم حتى يعرف معنى كلمة حدس وخبرة وما زلت اقول ان امامنا باب كبير ومشوار طويل في هذا العلم الجليل ونسال الله الخير فهو نعم الوكيل
نبدأ على بركة الله …

-الكنز كلمة ذات دلالة قوية جدا الدال فيها يحيل مباشرة على مدلول واحد  “الثروة الجليلة المخفية باحكام عن اعين الاخرين”

و هو لفظ اقوى بكثير من الالفاظ الاخرى ذات السياق الدلالي المقارب “كالخبيئة” و “الامانة” و “الدفين” و “المسالة” و “المطلب” و غير ذلك من الالفاظ

ومنذ ادرك الانسان قيمة ما يملك بدات فكرة التكنيز .

ويروي اهل التاريخ ان اول كنز كنز هو كنز الكعبة وياقوتها الذي دفنه ادم عليه السلام
وسيعاد ذكر كنز الكعبة لاحقا كنزها الصغير المعروف بغزالتيها وكنزها الكبير الذي هو اساساتها
وهي من الجواهر النفيسة

نرجع الى امر التكنيز وهو متصل بامور ” نفسية ” “وتاريخية ” “ودينية ” “وسياسية”

-اما الامور الدينية فعديدة اهمها تقديس الهدايا واخفائها تقربا للالهة وهو ما وجد في لوحات الفينيقيين والقرطاجيين ومن الامور المتصلة بالدين الدفن وفيها يكنز المال والحلي والذخائر ليثبت مكانة المتوفي
ووجاهته لاعتقادهم ان منزلته في الاخرى من منزلته في الاولى .

-والامور السياسية هامة فاغلب الكنوز في غير القبور دفنت زمن الخوف والحروب وما اكثرها او دفنت استعداد للحرب كالدواميس والكهوف
وقد يكون المال مال دول جليلة تؤمن مصادر القوة وتكون كالخزنة الاحتياطية.

-والامور النفسية متصلة بتامين الحياة والخوف من طوارق الحدثان والخوف من اظهار الثراء زمن المصادرات والغارات والسرقات .

-والامورالتاريخية متصلة بالسك والعادات المصرفية القديمة ونظام الحياة الخاصة والعامة

و سنخصهم بالتفصيل في مقال آخر لأهمية هذه العناصر في هذا الميدان

*و سنأتي الآن إلى عادات التكنيز وادواته”

ان اهم ما يخطر ببال الشخص الذي يريد كنز ماله ان يفكر في مكان الخزن وان يحرص على ان لايراه احد اثناء الكنز فان اضطر
فانه يستعين باهله وخاصته فان اضطر اعتمد على عبيده المقربين وقد يكون مصيرهم الموت بعد اتمام المهمة
وكثيرا ما يعثر الباحثون على عظام فوق الدفين لاتتصل بالدفن والقبر وتكون الجمجمة مهشمة او مطروحة على الوجه
ومن عادات الدفن تهيئةالارض وجلب تراب مختلف كالاحمر والابيض البحري والاصداف والطين الاخضر لسرعة التحامه
والجير والجبس وطين الحكمة والطابوق وكسر الفخار والفحم والحجارة الصغيرة المربعة
وغير ذلك…و من عادات التكنيز وضع الذبيحة والقربان والتمائم والتعاويذ التحصينية
ولنا شرح لذلك في درس الأرصاد و الموانع و أترك مجالا موسعا لأخي أبو عثمان ليحدثكم فيها ان شاء الله

*اما ادوات التكنيز”

فاهمها الجرار الفخارية وهي انواع الخوابي والقلال الطويلة والجرار المتوسطة والصغيرة
واختيار الفخار هام لصموده وعدم تلفه وحمايته للكنز من الرطوبة والهواء والماء خاصة ان كان مغلقا بالجبس باحكام
ومن الادوات الصناديق اضعفها المعدني الحديدي لسرعة تلفه ويكون في الدفائن التي يريد اصحابها العود اليها بسرعة
ومنها الرخامي ويدل على قيمة الكنز فالرخام حجر غال في العصور السالفة
ومنها الصناديق الحجري وهي اشبه بالران وقد تكون مربعة عظيمة ومستطيلة صغيرة
اما النحائس فهي قدورمعدنية سميكة كثيرا ما استخدمتها الشعوب المحلية
وقد نجد غير هذه الادوات ومنها الجلود واهمها جلد الثور وعنق الجمل
وفي حالات نادرة يكون الكنز مطلقا لظروف استوجبت السرعة او هبة الاهية او تمويها عن الكنز الحقيقي

فإذا بعد هذا الكلام و جب علينا أيها الإخوة أن نتحدث عن ثقافة الترميز و التكنيز فالكنز غاية وضعه ان يظل خفيا قصيا لاتدركه ابصار الفضوليين بل لايعثر عليه من شك في وجوده
بل سيجد المتهم لمكانه صعوبة في اخراجة لان غاية صاحبه ان لا يعثر عليه غيره ولذا فالاخفاء العادي قد يجعل للصدفة منفذا في كشفه
والصدفة قاتلة خاصة في حقل قابل للزرع والحركة او في مغارة قد يلج ايها من يلج من الناس …والاخفاء المحكم الصارم قد يغيب الاشارة عمن وضعها
لذا تولدت” ثقافة الترميز “عند الحضارات وضعها علماء ونحاتون وخبراء وكهنة وامناء اسرار الدولة
واختص بها جماعة عرفوا بالتاله والامانة والنزاهة في كل عصر يرى الناس قوما مميزين هم الانموذج
وقد يصبحون جزء من المؤسسة الدينية او السياسية او الاجتماعية لذا اتخذت هذه الرموز خطا واحد او متشابها
لتدخل ضمن علم سيميائي له قانون وضوابط ومفكك الدلالة و الشيفرة و هذا هو الاصل المنطقي لنشاة سيميائية الاشارة”semiology of sign”

*نأتي الآن إلى ذكر “طرق التكنيز عند الشعوب”

ان الشعوب ليست على نفس الرؤية الثقافية والحضارية او التوجه الديني واللغوي و لذا اختلفت اديانها وتقالدها ورؤاها للعالم
و نلاحظ التمايز بين الشرق والغربفي اللباس و اللغة و التفكير و الدين و الفكر

وعودا الى موضوعنا …

فان طرائق اخفاء الكنوز اختلفتفثمة كنوز معلومة عامةوهي ما يدفن في القبورولذا كانت العقائد والقوانين والاعراف والسلوك الجمعي
يرى تدنيس القبور عملا اجراميا من الدرجة الولى لايرحم صاحبه
ولكن السارق كان كائنا شاذا ولازال … لذا انتهبت قبور ومدافن للٱسف

ومن هنا نشات طرائق جديدة وفكروا في اعتماد المنع السحري لكنوزهم واستغلوا الخوف من الاذى ايما استغلال ولذا كتبوا التحذير على المدفن
واختلقوا القصص المرعبة التي اسمرت منحوتة في العقل البشري حتى الان

هكذا تولدت فكرة التكنيز كبعد ثقافي وديني ورمزي وهي امور متداخلة جميعا عند الامم الغابرة و نشات الرموز من الحياة اليومية للشعوب
كمربط الفرس والافعى و الجرون والجمال والبقر وادوات الفلاحة والاشغال و رموز السلاح و غيرها
و الخلاصة حسب نضرتي و رأيتي أن الترميز تحول من حاجة ٱنسانية الى ثقافة منضبطة ودقيقة ومحكمة لان الذين تولوه كانوا النخبة
يقول احد خبراء الإشارة الفرنسيين وهو باحث مجرب:

تصور نفسك أنك تذهب إلى الغابة لدفن كنز مموه … تدفن كنزك في الشتاء و لا تترك رمزا دلاليا علية أو نقطة دالة إلا صورة رسمتها في خيالك عن شجرة ما .
ثم تعود صيفا لنفس المكان أو الغابة بالأحرى فتفاجأ بأن الشجر تغير من يابس إلى أخضر و ألتفت أغصان الأشجار ببعضها و بحثت عن الصورة التي رسمتها في خيالك فلم تجدها فهل ستجد ما كنزته .بالطبع لا و ألف لا اللهم إلا من قبيل الصدفة .هذا بعد أشهر قليلة و قليلة جدا فما بالك بعد أعوام و سنين .
لكن لو وضعت كنزك تحت جدار مثلا ثم قمت برسم سهم أحمر مع ذيل أخضر ثم جئت إلى ركن مخفي على الجدار و وضعت رمزا يقاوم الطبيعة و الطقس و السنين فلا شك إنك لو عدت بعد سنين طويلة ستجد ما كنزته بدون عناء لأن الرمز موجود و الإتجاه موجود و لم يبقى إلاّنيل المقصود

فالعين ترى إشارة أو رمز ما في مكان قصي و مهجور و بعيد عن الحاضرة او المدينة تجده في أعالي الجبال أو في منحدر صعب المنال و أحيانا تجد الرمز أو الإشارة معلقة على جدار بئر .فللسائل أن يسأل :من كلف نفسه عبأ وضع هذا الرمز وعناء و مشقة حفره أو نقشه أو نحته في صخرة ما .
هل كان ذلك للترفيه عن نفسه .؟ام عشق فعل هذه الأشياء و كانت هواية الأمم السابقة و المنقرضة .؟ أو كانت هذه الرموز منتشرة هنا وهناك سبهللا ؟.
المنطق يقول (العضمة ما تقول طق كان فيها شق) و إن واضع هذا الرمز او هذه الإشارة لابد يقصد منه شيئا ما وما وضعه إلا لغاية في نفسه وما كان إختياره للميدان الجغرافي إلا لحكمة عنده .
ومن هنا المنطلق أي الرمز يعني وجود شيء .و البعرة تدل على البعير و الأثر يدل على المسير.
إذا يجب أن نبحث على البعير أو نبحث عن من سار في المكان (إن كان يهمنا ذلك طبعا ) و الرموز أنواع و أشكال و أصناف و أزواج تبدو بعضها مشهورة و متداولة في كل العصور (عالمية)و أخرى خاصة بمكان ما أو ثقافة ما أو دين ما أو شعب ما .
و الرمز قديما لم يوضع للدفين فقط فقد كانت بعض الرموز دلالية توجه و تهدي لطرق ما أو بئر و عين ما أو حد لقبيلة أو دولة .
كما هو موجود عندنا في عصرنا الحالي من إشارات المرور و الإشارات الإشهارية و غيرها .
و أعود إلى إشارات المرور التي تدرس ويمتحن من أراد جواز السياقة فيها حتى يكون جديرا بمعرفة كنهها و ما تعنيه عند إعتراضها طريقه في السفر ولولا هذه الإشارات لكان الطريق غول يلتهم من بني آدم و الحيوانات الكثير كل يوم وهنا تكون أهمية الرمز أو الإشارة و إن كان الكثير خبير بها و يعلم معناها إلا أنه يوجد الكثير أيضا من من يجهلها .
و واضع الآشارة لابد له أن يكون ذكيا فطنا و هنا سبق و أعطيت درسا للإشارة و كيف يتم وضعها.

إخوتي يا من تقرأون هذه الأسطر …ان الخبراء الحقيقيون يعرفون ان ما كتبته في هذه الدرس هو الاساس للرموز

ولفهمها فهما كليا عميقا اقول … نحن لا ننقل او نهرف بما لانعرف
نحن نعمق المعرفة …ستكون بحول الله منارة شامخة للمعرفة
نريدها فضاء يعمق المعرفة
ناقشوا وافتحوا عقولكم جيدا
لانريد فيها عبارات الثناء
بل نريد الاسئلة العميقة
لن نغضب منها
بل سنغضب من المسايرة الزائفة
هذا مكان تتشرب فيه العقول والافهام
لقاح البحث المضني عن المعرفة الحقة
فلنبادر الى العمل ولاشيء غير العمل
من أراد التساؤل فليسأل لا حرج عليه ومن اراد النقد فهو لذلك جدير … ومن اراد التعلم لن نترك الباب مواربا على اي أخ لنا

تقدموا يا أخوة وتوكلوا على الله …

هذا و لله الحمد و الصلاة و السلام على محمد أشرف خلق الله
دمتم بود  … أخوكم “حمزة الماجري ”

 

 

 

 

 

 

 

حمزة الماجري

أكاديمي ... و باحث في الحضارات القديمه مشرف و مختص في قسم أسرار الحضارات

‫7 تعليقات

  1. كيف يمكن التفريق بين الإشارة التي تدل على السبل و المعتقد و بين الإشارة التي تدل على التكنيز و يجب العمل عليها؟؟

    1. الإشارات الدالة على السبل استدلالية كالسداية الواقفة التي تدل على المعاصر و غيرها كثير …بالنسبة الإشارات العقائدية نأخذ مثلا كل الرسومات و الكتابات على الشواهد و الالواح الجناءزية و غيرها كثير

      الإشارات التي على الجدران غالبا ما يكون الهدف و العمل من نفس الجدار و قليل ما يكون خلاف ذلك و يكون المدخل او الهدف قريب

  2. السلام عليكم ماهو الفرق بين جرن المال و الران و هل توجد طريقة كيمائية او علمية لكشفهما..وماهي الاشارات الدالة عليهما
    وشكرا

  3. الران هو نفسه جرن المال
    و كلمة ران أوسع و أشمل كمعنى “كلا بل ران على قلوبهم “… إلى آخر الآية
    الران هو الغلاف أو الغشاء يوضع فوق الشيئ ليصد عن النيل منه
    كما نقول أيضا للقبر الصخري قبر ران في الصخر بمعني مخفي في الصخر بنفس طبقة غلاف الصفا ليحجب عين الباحث للنظر إليه و إيجادة
    جرن المال نفس الشيئ يكون مغطى و مغلق بنفس الطريقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق