أسرار الحضارات و تاريخ المدنالحامة تاريخها وآثارها وأحداثها وأبطالها

الحامة مدينة النحاس

الحـامة في العهد اليوناني

تؤكد كتب التاريخ أن اليونانيين ترددوا على منطقة السرت الكبير المقابلة لبلادهم. بل وصلوا إلى أن ساحوا في حوض البحر الأبيض المتوسط إثر تغلبهم على الفرس الذين حاولوا الاتجار في هذا البحر. ومن هنا فالإغريق قد ترددوا وتاجروا مع مدن هذا البحر وقراه، وتعرفوا على أهله واختلطوا بهم قبل مجيء الفنيقيين وذلك حوالي 1300 قبل الميلاد. ويشير السيد أحمد صفر إلى هذه الحقيقة فيقول: ” من الأمور الثابتة تاريخيا اتصال الليبيين ( أي سكان شمال إفريقيا القدامى) بعالم جزر (الكريت) التي كانت بها مدنية زاهرة وحضارة فاخرة. ومن الأخبار المتداولة أن كروبيتوس الإغريقي دفعته الزوابع إلى السواحل الليبية، ثم رجع إليها بعد ذلك ربانا يقود سفينة تجارية. ثمّ تكرّرت رحلاته حتى تكونت بينه وبين اللوبيون1 صداقة كبيرة 2.

و يواصل صفر حديثه فيقول: ” إن جزيرة قرقيرة (جزيرة قرقنة التونسية) هي من الجزر التي أقام بها اليونانيون. ويؤكد هيرودوتس أنهم هم الذين أنشأوا كذلك مدينة الصخيرة ووصلوا إلى طبرقة حيث عثر على قرون جواميس وآثار تؤكد ذلك”.

اليونانييون ومدينة النحاس

يتحدث أحمد صفر عن مدينة كان بها في ذلك العصر ميناء كبير، وتقع على شط الفجاج حينما كان البحر يمتدّ من خليج سرتا الصغير – خليج قابس- إلى شطّ الجريد حيث توجد جزيرة اشتهرت أيام اليونانيين وعرفت بجزيرة (الأطلنتس) العجيبة، و إليكم بعض ما جاء في قوله هذا: ” ومن المفيد في هذه المناسبة الحديث عن الجزيرة العجيبة والتي دخلت عالم الخرافات والأساطير وهي -جزيرة الأطلنتس- التي ورد ذكرها في العديد من المراجع اليونانية. فقد تحدث عنها المؤرخ الكبير هيريدوتس وأفلاطون الحكيم 435 ق م وديودورس الصقلي”3. وأعتقد أن هذه الأساطير منطلقة عن واقع وعن حقيقة، ولا يمكن أن تنطلق من فراغ. هذا وكان العرب يسموّن المدينة القريبة منها مدينة النحاس. فأين تقع هذه المدينة يا ترى ؟”

مدينة النحاس و ميناؤها الكبير

أين تقع هذه المدينة؟ وما هي أهمية الميناء الذي يقع بقربها؟

لقد اختلف المؤرخون في تحديد موقع مدينة النحاس التي يعتقد البعض أنها مدينة ترشيش، ومن هنا أصبح في المسألة قولان كما يقول الفقهاء. وسنحاول إبراز كل منهما والمقارنة بينهما لإستخلاص النتيجة وإجلاء الحقيقة.

ذهب بعض المؤرخين الغربيين القدامى على أنّ مدينة ترشيش تقع بالقرب من مدينة قادس التي أنشأها الفينيقيون بجانب النهر الكبير. وقادس و النهر الكبير يقعان في إسبانيا.

كما ذهبت مجموعة أخرى من الباحثين الغربيين أيضا ولكنّهم من العلماء المعاصرين من ألمانيا وفرنسا إلى غير ذلك الرأي. فهم يرون أنّ موقع المدينة المذكورة يقع بمدخل شط الجريد على الضفة الجنوبية لشط الفجاج. وكان العرب يسمونها مدينة النحاس لأنها كانت تصنع وتصدّر معدنا يشبه النحاس يسمى LE LAITON ويقولون أن هذه المدينة كانت مقصد التجار اليونانيين والاقريطيين والفنيقيين واليهود. وكان بها أكبر ميناء، لإتصال شط الجريد بالبحر في ذلك الوقت”4

ومن العلماء الألمان الذين ذهبوا إلى أن مدينة ترشيش هي مدينة النحاس وأن موقعها على شط الفجاج الأستاذ الباحث -بوشارد- من مدينة ميونيخ. وقد أنجز في الموضوع بحثا معمقا دعمه بزيارة ميدانية للبلاد التونسية في فيفري 1928 حيث توجه إلى عين المكان مما جعله يزداد قناعة ويقينا أن المعلومات التي توصّل لها كانت صحيحة. ثم رسم خريطة تحدد موقع المدينة الكائنة جنوب وادي المالح الذي يصبّ في خليج قابس بعد إجتياز سبخة الحامة ويدور خلف وذرف. كما قام الدكتور–هرمان- الأستاذ بكلية برلين بدراسة مشابهة في الموضوع نفسه. و قدم هو أيضا إلى تونس سنة 1930 وزار المنطقة للمقارنة بين ما توصل إليه نظريا وبين ما سيقف عليه ميدانيا، فانتهى إلى النتيجة التالية: أن مدينة النحاس كانت موجودة على ضفة شط الفجاج أيام كان البحر يمتد إلى إذّاك شط الجريد، وكانت البلاد إذّاك عامرة باليونانيين”.5

ورسم هذا الباحث خريطة للجنوب التونسي تظهر شط الجريد وهو متصل بالبحر. وقد أكد أن خصائص الخليج البحرية متوفرة في المنطقة، وحدد تاريخ ذلك ما بين القرنين الثالث عشر والثاني عشر قبل الميلاد. ويدعم أحمد صفر الذي أورد الخبرين السابقين ما ذهب إليه العالمان الألمانيان بأن العرب -الجغرافيين والمؤرخين- ذكروا أن بادية مدينة النحاس تقع قرب رمال يقال لها العرق جنوب سبخة الفجّاج شمال شرقي الحامة.

والذي يمكن أن نظيفه في هذا الصدد بحكم أنني أبن الجهة وقد قمت بعدّة زيارات للمنطقة التي ورد ذكرها كشط الفجاج والعرق والميدة ووادي المالح ووذرف ومنطقة والي التي بها بعض الأثار القديمة كالآبار والحجارة المنحوتة الضخمة نظيف إلى ما تقدم الأمور التالية :

1- السبخة والعرق مازالا حاليا من ضواحي الحامة الشمالية وجزءا من باديتها.

2- يوجد غرب مدينة وذرف مقاطع شاسعة من الرمل الذي يستعمل في البناء حاليا ، وهو يشبه رمل البحر إلا أنّ لونه أصبح يميل إلى الصفرة لكنّ حلزون البحر يشير إلى أصله .

3- ورثنا على الأباء والأجداد أنّ مدينة الحامة كانت تسمّى قديما مدينة النحاس وكان بها مائة حداد يهودي.

4- إن ضواحي الحامة مازالت تشهد على ماضيها المنجمي القديم كوجود مواد أوليّة مختلفة بباطن الأرض، فهنالك بقايا مناجم للحديد والنحاس إستغلّ الفرنسيون بعضها، ولمّا كانت مخزوناتها قليلة تركوها. كما أنّ هناك أنفاقا ومغارات عميقة بجبل عزيزة وجبل حديثة وكامل جبل الطباقة قد تكون هي أيضا بقايا مناجم أستغلّت في الماضي.

5- بالحامة أنواع مختلفة من الطين الجيّد ذي الألوان المختلفة من أصفر وأحمر وأخضر. ومن المحتمل أنّ هذا الطين إستغلّ قديما في صناعة الفخّار وقد توارت أبناء الحامة صناعة طينية مختلفة.

6- أكتشف مؤخرًا بشط الفجاج مادة – البانتونيت – قرب المكان الذي يعتقد أنّ الميناء الكبير كان غير بعيد عنه.

7- يوجد بجبل السقي من أراضي الحامة منجم قديم لملح الطعام ، استغلّه الأهالي والفرنسيون مدّة طويلة .

8- هناك أثار مدفونة بجهات مختلفة من الحامة وخاصة بجهة والي شمال شطّ الفجاج يقال أنّها أثار رومانيّة. ولكنها قد تعود إلى ما قبل ذلك. إنّنا في تونس ننسب كل الآثار القديمة إلى الرومان وهو خطأ فادح يجب الانتباه إليه.

9- هناك تشابه بين مدينة قادس وقابس كما أن إتصال قابس بشطّ الجريد يجعله نهرا كبيرا ولعلّ الفريق الأوّل من المؤرخين تشابه عليهم إسم قابس بقادس.

10- إستعان السيد – هارمان- بمهندس من أبناء الحامة أثناء زيارته لمنطقة العرق و سهل له الأطلاع على عدد مواقع الأثرية الأخرى.

هذه بعض الملاحظات سقناها كما عرفناها أو سمعناها علها تدعم ما توصل إليه العلماء المختصون. كما يعلق أحمد صفر على أبحاث العالمين الألمانيين بقوله:” ليست هذه النظريات مستبعدة خصوصا إذا علمنا أنّ شطّ الجريد يسمّى بصحراء مدينة النحاس في بداية العصر الإسلامي”6

هذا وخصص محمد المرزوقي حيزا من كتابه قابس جنّة الدنيا للحديث عن نظريّة باحثين فرنسيين هما– روديرو – وليسبس– وعزمهما على فتح قناة شط الجريد من جديد.

كما جاء في مجلة العلوم اللبنانية عدد 10 سنة 1957 حديثا عن هذه القناة بعنوان ” إنشاء قناة داخلية بالجنوب التونسي” ملخصه أن الأوساط المالية الفرنسية تهتمّ بحفر قناة من ساحل قابس إلى شط الجريد الذي يمتدّ إلى الجنوب الجزائري هدفه تسهيل نقل البضائع التي تستخرج من مناجم الجنوب كما تنقل البترول. وتلطف جوّالصحراء. وقدرت تكاليف المشروع بنحو مئة مليار فرنك “.7

أضيف على هذا المقال أني زرت بنفسي بعض الأماكن المذكورة منذ 5 او 6 سنين استكشافا وحبا للمعرفة وقد رأيت بعض  الرسومات التي تعود للحقبة اليونانية تبينت ذل بعد عرضها على خبير مختص وللأسف رجعت اليوم للصور في حاسوبي لأنزلها مع المقال  فلم أجدها

محمد بن عثمان عسيلي

          🖋️   الأستاذ محمد بن عثمان عسيلي أستاذ و خطيب..وصاحب أبحاث في الطب البديل والتاريخ القديم وعلوم الصنائع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق