أرشيف الحركة الوطنيةأسرار الحضارات و تاريخ المدنالحامة تاريخها وآثارها وأحداثها وأبطالها

الحاج محمد الأعطر رحمه الله الرجلُ الفَذُّ من بني زيد وقراءة أخرى لتاريخ الحامة وتاريخ الحركة الوطنية.

الحاج محمد الأعطر رحمه الله الرجلُ الفَذُّ من بني زيد وقراءة أخرى لتاريخ الحامة وتاريخ الحركة الوطنية.
كثيرٌ من حوادثِ التاريخ في هذه البلاد العزيزة طُمِست معالمها ولفّها النسيان.. وبعضها غُيِّرَ فيه بالزيادة والنقصان أو باختِلاقِ بُطولات مزعومة وأوهامٍ مَمْجُوجَة وأحداثٍ مركبة لِتَصنعَ “تَاريخَهُم”.
وأكبرُ مأساةٍ أن يُمسِكَ القلمَ ، دَسّاسٌ ليكتب في التاريخ ولِيُحدِثَ فيه ماليس منه لتَبييضٍ لحقبةٍ أو لأفعالِ رجال،
او جاهل ليكتب بلا أمانة ولاغربلة صحيحة ولاتحرٍّ لمصدرِ معلومةٍ.
فمسألة كتابةِ التاريخ أمانة لأنه تَأْريخٌ وتدوين لحقبة زمنية معينة من حق أجيال معاصرة ولاحقة أن تطّلع عليه بكل أمانة ولاتزييف للحقائق..
ومن يكتب في التاريخ عليه أن يكتب بسنده وأقصد الدليل والوثائق والا كان كلامه بلامعنى.
والحامة كغيرها لها تاريخها ولها رجالها ولها الأثرُ الحميد على كل البلاد..
ولكن الحامة أيضا كغيرها وقعت في فخ التلاعب بتاريخها وأحداثها عن قصد أو جهل، تقليلا من شأنها وشأن رجالها الذين كان لهم الفضل بعد الله على هذه البلاد عامة.. فجاهل من ينكر هذا الفضل!!
أكتب اليوم عن بطل من أبطال بني زيد من عرش الحوازم “الحاج محمد الأعطر”رحمه الله وهو بطل من أبطال هذا الوطن بحق.
ومادفعني للكتابة عنه أمور ثلاث؛
الأول أن الكثير من تاريخ الحامة وأحداثها لايعرفه أهلها ويعرفه قلة قليلة وحتى لمَّا تناول البعض تاريخ الحامة في كتاباته وكتبه تناول الأمر بسطحية كبيرة أو غَيّبها جهلا منه بالتاريخ الصحيح لذلك سأنقل باذن الله التاريخ بسنده ووثائقه وأدلته وأبشركم بأنكم سوف تسمعون في لاحق الأيام -وكلامي لكل أبناء الوطن- بل للأخوة في الجزائر أيضا وهذا للتاريخ.. وللأمانة التاريخية. ستسمعون تسجيلات صوتية لشاهد على العصر بل كان أبرز أبطالها والمؤثرين فيها وهو الحاج محمد الأعطر سجلها له بعض الأخوة عام 1990 نذكرهم في حينه. وفيها حقائق تضرب عرض الحائط بالحقائق المدونة ببعض الكتب بل تضرب بأحداث تاريخية مدونة على أنها حقائق.
الأمر الثاني من حق أبناء الحامة أن يعرفوا تاريخهم ليعتزوا به ففرق شاسع بين المُنْبَتِ الذي لاأصل له ولاجذور وبين المتأصّل الضارب في عمق التاريخ والحدث.
والأمر الثالث أن الحاج محمد الاعطر شخصية وطنية اجتمعت فيها ثلاث خصال
الأول كان سياسيا محنكا مُؤثرا في الحدث والوقائع ثانيا كان خطيبا مفوّها حتى أنه الوحيد الذي تقدّم بورقيبة وخطب قبله
ثالثا القوة فكان قويا لايخاف ولاأقصد قوة العضلات وانما قوة الشخصية والارادة..ولذلك كان الوحيد مع بورقيبة الذي يَحضُرُ بمسدسه ولايُأخذُ منه والوحيد الذي كان يقول لبورقيبة “لا” في مجالسه ،والوحيد الذي كان بورقيبة يستشهد بكلامه وسيأتي تفصيل ذلك باذن الله حتى لايقال اننا ننسج أوهاما أو نغالي في الكلام.
من هو الحاج محمد الأعطر !؟
المرحوم الحاج محمد الأعطر بن علي بن احمد ولد سنة 1905 في قرية الصمباط بحامة قابس ثم انتقل الى العاصمة بموجب عمل والده بها ليزاول تعلمه بجامع الزيتونة.
ولما توفي والده اضطر الحاج محمد الأعطر رحمه الله الى الانقطاع عن الدراسة ليُعِيلَ أسرته.
وأثناء إقامته بالحاضرة وبحكم تواجده واتصاله بعائلة المنجي سليم حيث كان والده يساعدها في بعض الأشغال الى جانب عمله في احدى المخابز، جمعته علاقة أخوة كبيرة مع منجي سليم فكان له بمثابة الأخ، ثم اتصل بالزعيم علي بلهوان وتشبع أكثر بالروح الوطنية النضالية فكان أحد رموز المظاهرات الشبابية في العاصمة.
وكانت بذلك بداية عمله السياسي في تونس قبل الحامة حيث دخل العمل الحزبي مع منجي سليم وصلاح الدين بوشوشة من بنزرت والباهي لدغم وبن حمودة مشاري والطيب سليم ومحمود الماطري في شعبة الحلفاوين وكان رئيسها حينها محمود الماطري.
وعند عودته الى مسقط رأسه آل على نفسه بَثَّ الروح الوطنية ونَزْعَةَ مقاومة المستعمر الفرنسي في جهته بِمَعيَّةِ رفاقه أمثال الطاهر دعيب والكيلاني بوطارة والتوهامي بن الناعس والطيب المؤدب والحاج علي خضر وغيرهم
يقول الحاج محمد الأعطر رحمه الله في احدى تسجيلاته الموثقة عام 1990 “لما عدت الى الحامة وجدت شعبة الحامة موجودة وألحوا علي للانضمام اليهم فدخلت الشعبة ككاهية للكاتب العام ثم في الدورة التي تليها كاتب عام وكان رئيسها الطاهر الدعيب” رحمهم الله جميعا
والذي لفت انتباهي ثَنَاءُ الحاج محمد الأعطر على الطاهر دعيب كثيرا أكثر من أي أحد آخر فكان يقول عنه “كُنّا مِتعَشرين ومِتفْقين وكان الطاهر دعيب يعمل للدين وللوطن ماعنده غاية أخرى أبدا”رحمهما الله.
وكانت في عودةِ الحاج محمد الأعطر للحامة وانضمامه للشعبة الدستورية تحولا كبيرا في طريقةِ عملها واتساع رقعتها فكان أول من دعى للاتصال المباشر بالناس والتنقل بين المناطق وعقد اجتماعات شعبية لم تعهدها المنطقة (يقول الحاج كونتها أنا) وكان خطيبا مُفَوَّهًا بدأ جولاته ببني غيلوف ثم بوعطوش ثم بشيمة ثم الصمباط ثم اتسعت الرقعة-وسنذكر بعض تفاصيل هذه الاجتماعات في مناسبة أخرى وكلها مسجله بصوت الحاج بحضور ساسي والطاهر لسود وغيرهما من المناضلين المعروفين.
حضر الحاج محمد الأعطر مع الحاج الطاهر دعيب “مؤتمر نهج التريبونال” المنعقد في 31 أكتوبر الى 2نوفمبر 1937 والذي ضمّهم مع بورقيبة، ويتحدث فيه الحاج عن تفاصيل كثيرة نسردها باذن الله في وقتها.
اتّسع نشاط الحاج ليشمل المناطق العسكرية في بني خداش ولاية مدنين وقبلي حيث كَوَّنَ شبكة اتصال كان فيها همزة الوصل بين الديوان السياسي والمناضلين في المناطق العسكرية بنقل تفاصيل الأحداث التي تَجدُّ في هذه المناطق وتبليغ تعليمات الديوان السياسي الى مناضليها الأمر الذي أَرْبَكَ المستعمر الفرنسي وسبب انزعاجه فقام بتضييق  الخناق على المناضلين وحركتهم الوليدة.
جعل المرحوم محمد الأعطر من جهته مركزا لتَجَمُّعِ المناضلين أمثال الشيخ التوهامي الشناوي وعبد السلام القصيبي الذي كان ضابطا في الجيش الفرنسي و فَرَّ منه،  وعبد السلام بورقيبة الذي نفته السلط الفرنسية بالجهة والطاهر واجه وحسين عزيز ومحمد الجمل والشادلي قلالة والحبيب الثامر هذا الأخير الذي كان صديقا مقربا من الحاج.
وبتهمة تحركه السياسي واشعاعه على الجنوب التونسي عامة واخفائه للمناضلين ومساعدتهم زُجَّ بالحاج محمد الأعطر عديد المرات في السجن. وحبسه هذا لم يثنه عن مواصلة الكفاح بل زاده اصرارا على تَحدِّ المستعمر.
وكانت محطة جديدة في مسيرته النضالية الطويلة ، انطلاقة أخرى للنضال برؤية جديدة كانت نتائجها أحداث 1938 وبأمر منه توالت الأعمال التخريبية المناهضة للاستعمار بواسطة أبناء المنطقة منهم محمد النويقص الحريزي والتوهامي بن عثمان اللذين تم ايقافهما مع المرحوم.
تم ايقاف الحاج محمد الأعطر عام 1944 ويتحدث عن ذلك فيقول “هزوني للحبس والطاهر لسود على علم -كان الطاهر لسود جليسه اثناء تسجيل الحوار لذلك قال أن الطاهر لسود على علم- وفي قازرنة سيدي بولبابة جاني الطاهر وبكى قلتله اسمع هذا موش وقت بكي.. لاتِبْكي عليَّ ولانِبْكي عليك انا من توَّه أنساني وكاني قعدت حي موش مْرَوِحْلَك وكان قدر ربي تو يطبق عليّ فرد مرة،  من توّه عمل على روحك”.
وكان إذنا ضمنيا من الحاح الأعطر للطاهر الأسود للخروح والثورة -نقول هذا لأن هناك أحداثا أخرى وكواليس مهدت للثورة ومنها حضور وفد الحزب من تونس للحاج يترأسهم عبد السلام القصيبي مع مطبعة حجرية وأوراق من الحزب وطلبوا منه أن يأمر بالثورة في بني يزيد لكن الحاج الأعطر كان له رأي آخر وهو التريث خصوصا مع غياب الدعم المالي والسلاح -وهذه فيها تفاصيل كثيرة ذكرها الحاج رحمه الله بتفاصيلها في تسجيل له وذكر معها مادار بينه وبين المرازيق وبعض الخيانات وفيها تبرز حنكة وخبرة الحاج الأعطر في ادارة الأمور -.
ولذلك الطاهر لسود لم يسلم سلاحه بعد الاستقلال وينزل الا بعدما أرسل اليه الحاج محمد الأعطر شقيقه أحمد الأعطر يدعوه لذلك، رحمهم الله جميعا.
لدى خروج الحاج محمد الأعطر واصل النضال الى أن تَمَّ ايقافه مرة أخرى من قبل السلط الفرنسية في 24نوفمبر 1949 والتي قَدَّمته لمحاكمة استعجالية هيِّأت له فيها حكما بالاعدام وبتدخل ومساعٍ مُضنية من شقيقه المناضل المرحوم احمد الأعطر تم نقل ملفه الى صفاقس حيث تم تغيير الحكم الصادر من طرف المحكمة العسكرية القارة الفرنسية بتونس سابقا في 24أكتوبر 1949 الى السجن لمدة 5سنوات فسُجِن بغار الملح ثم بالسجن المدني “”سجنا مُضيِّقا مع حجز جميع ممتلكاته لفائدة الوطن وتحجير الاقامة عليه مدة عشر سنوات وذلك من أجل ارتكابه النبيل من أمن الدولة الخارجي”” كما جاء في نص الحكم.
قضى العشر سنوات بمنزل بوزلفة اين واصل نضاله واتصاله باخوانه المناضلين الأحرار أمثال المرحوم سالم حجل.
وقد أفرج عنه بالعفو في 24جويلية 1953.
وإثر الاستقلال ومعارك السُّدُود والتي تعرف بالباراجات وأثناء معركة الجلاء عن بنزرت قام بتعبئة خيرة شباب الحامة لخوض هذه المعركة.
واصل الحاج محمد الأعطر مسيرته النضالية من أجل بناء الجمهورية وتركيز دعائم الاستقلال بتأطير الشباب ودفعه للعمل الجاد من أجل التنمية الاقتصادية والتربوية والاجتماعية على الصعيد المحلي والجهوي.
كما ترأس الحاج محمد الأعطر جامعة الأعراض المشرفة على الجنوب التونسي.
ثم أسّس بلدية الحامة اثر مراسلة مباشرة له من الديوان السياسي في 22أفريل 1957 والذي زكى الأعضاء الآتي ذكرهم وعلى رأسهم الحاج لعطر في أعلى القائمة المذكورة وهم “ساسي بن محمد لسود و علي بن بلقاسم بوعود و عبد الله بن حسن تيتو والهادي بوشلاكة والجيلاني بن محمد بن فرحات و حسن بن عثمان بن صالح و عبد السلام بن محمد بن معتوق”
وكان أول المساهمين في جمع التبرعات لتجهيز الجيش الوَلِيدِ كماكانت ابنته آسيا الأعطر أول امرأة ساهمت بحُلِيَّها وذَهَبها مساهمة منها في بناء النواة الأولى للجيش الوطني واستلمت في ذلك شهادة ضاعت منها مع تعاقب السنين.
رغم أنه عرض على الحاج محمد الأعطر عدّة مناصب في الدولة الا أنه رفض كل العروض ولم يلتحق بالعاصمة وبقي في منطقته بين اهله واصحابه الذين آزروه أيام الجهاد أمثال محمد العويتي ومحمد بن عثمان عسيلي وعبد الله الغريبي وغيرهم
تم توسيم الحاج محمد الأعطر رحمه الله مرتين في كلا العهدين البورقيبي والنوفمبري بوسام الجمهورية.
توفي الحاج محمد الأعطر رحمه الله في 28 جانفي 1998.
ماتمّ ذكره هو قليل من الكثير الكثير  يشهد به تاريخ الحركة الوطنية.
ويشهد بذلك من عاصره من أبناء جيله ومن عرفه من جيل الخمسينات والستينيَّات والسبعينات..
سنورد باذن الله قريبا بعض الكتابات الأخرى أو التسجيلات الصوتية -حسب مايتيسر-للحاج محمد الأعطر وقع تسجيلها بحضور نخبة من المناضلين المعروفين امثال الطاهر لسود وساسي لسود وغيرهم فيها كثير من المحطات التاريخية والحوادث التي عاشتها مدينة الحامة قلعة النضال وكيف كانت دعامة من دعائم استقلال البلاد.
أكررُ ختاما كنا أسلفت سابقا أن الكثير من أبناء المنطقة تناول نضال الحامة في أحداث ورموز ولكن بصدق تم تغييب كثير من الاحداث ورموز الحركة الوطنية جهلا أو عن قصد الله اعلم..فطمست نضالات البعض ولمعت نضالات البعض الاخر.. بل فيهم من كان خائنا للحامة ولوطنه عامة وهذه حقيقة.. وعلى من يكتب التاريخ أن يكتبه بدليله وان يأخذه من مصادره والا ليلزم الصمت ويبتعد عن تزييف التاريخ والوقائع.
كتبه محمد بن عثمان عسيلي (أبوعثمان)
حفيد الحاج محمد الأعطر رحمه الله

محمد بن عثمان عسيلي

          🖋️   الأستاذ محمد بن عثمان عسيلي أستاذ و خطيب..وصاحب أبحاث في الطب البديل والتاريخ القديم وعلوم الصنائع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق